Post Image Health

ليس كل من يبتسم بخير.. معارك نفسية لا نراها


Sat 2026/10/10

خاص – snobarabia

الصحة النفسية ليست ضعفًا.. بل حاجة لا يجوز تجاهلها

بقلم: خالد رغدان – أخصائي نفسي

ليس كل من يضحك بخير، وليس كل من يواصل حياته قادرًا على الاحتمال. فهناك من يستيقظ كل صباح، ويؤدي واجباته ويعتني بأسرته، ويجيب عن سؤال «كيف حالك؟» بكلمة «أنا بخير»، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف عنها أحد شيئًا.

في اليوم العالمي للصحة النفسية، تبرز الحاجة إلى مواجهة حقيقة أن كثيرًا من المعاناة النفسية لا تُرى، وأن أصحابها قد يخفون آلامهم خوفًا من الأحكام الاجتماعية أو الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة.

في مجتمعاتنا العربية، لا يزال البعض ينظر إلى القلق والاكتئاب والمعاناة النفسية باعتبارها ضعفًا في الشخصية أو نقصًا في الإيمان أو مبالغة في الحساسية. وقد يسمع المتألم عبارات مثل «لا تفكر كثيرًا» أو «هناك من يعاني أكثر منك»، بدلًا من أن يجد من يستمع إليه ويفهم ما يمر به.

الصحة النفسية ليست رفاهية

الصحة النفسية ليست مجرد غياب الاضطرابات، ولا تعني أن يعيش الإنسان سعيدًا طوال الوقت دون حزن أو خوف أو قلق. إنها قدرته على التعامل مع ضغوط الحياة، وتنظيم مشاعره، وبناء علاقات صحية، واستعادة توازنه بعد الأزمات، وطلب المساعدة عندما تتجاوز معاناته قدرته على الاحتمال.

فالحزن ليس اكتئابًا بالضرورة، والقلق العابر ليس اضطرابًا نفسيًا بالضرورة، لكن استمرار الأعراض وتأثيرها في النوم أو العمل أو العلاقات يستحق الانتباه والتقييم المتخصص.

كيف نكون أكثر دعمًا لمن يعانون بصمت؟

أولًا، أن نستمع دون أحكام أو مقارنات، وأن نمنح الآخرين مساحة للتعبير عن مشاعرهم بدلًا من التقليل منها أو تقديم النصائح السريعة.

ثانيًا، أن نتوقف عن تمجيد الاستنزاف النفسي، فليس كل تحمّل دليل قوة، والراحة ووضع الحدود الصحية وطلب الدعم ليست علامات ضعف.

ثالثًا، أن نهتم بالصحة النفسية لأطفالنا، وأن نمنحهم الأمان للتعبير عن مخاوفهم ومشاعرهم دون سخرية أو إهانة، مع الحرص على فهم التغيرات التي تطرأ على سلوكهم.

رابعًا، أن نجعل طلب المساعدة النفسية أمرًا طبيعيًا. فالاستعانة بأخصائي نفسي مؤهل أو طبيب مختص عند الحاجة خطوة مسؤولة، والعلاج النفسي لا يتعارض مع الإيمان، بل يمكن أن يتكامل مع دعم الأسرة والممارسات الروحية التي تمنح الإنسان الطمأنينة.

خامسًا، أن ندرك أن المعاناة النفسية قد ترتبط بظروف الحياة الصعبة، كالفقد والحروب والنزوح والفقر وضغوط العمل والأسرة. لذلك، فإن حماية الصحة النفسية مسؤولية مشتركة تتطلب خدمات متاحة، ومدارس أكثر تفهمًا، وبيئات عمل تحترم الإنسان.

رسالة إلى كل من يخوض معركته بصمت

إذا كنت تمر بمرحلة صعبة، فلا تجعل عجزك عن شرح ما تشعر به دليلًا على أنك لا تعاني. لست مضطرًا إلى انتظار الانهيار حتى تمنح نفسك حق الراحة، ولا إلى إثبات أن معاناتك أكبر من معاناة الآخرين حتى تستحق المساعدة. قد تكون الخطوة الأولى هي التحدث إلى شخص تثق به أو طلب دعم متخصص.

وإذا لاحظت أن شخصًا قريبًا منك يعاني، فلا تفترض أن صمته يعني أنه بخير. اقترب منه بلطف، واستمع إليه دون لوم، وشجّعه على طلب المساعدة عند الحاجة. وإذا عبّر عن رغبته في إيذاء نفسه، فخذ كلامه على محمل الجد وساعده في الوصول إلى دعم مهني عاجل.

في اليوم العالمي للصحة النفسية، لنتجاوز الشعارات إلى ثقافة تحترم الإنسان في ضعفه كما تحترمه في قوته، وتمنحه الحق في أن يتعب دون أن يُهان، وأن يتحدث دون أن يُدان، وأن يطلب المساعدة دون أن يخشى على كرامته.

فالمجتمع السليم نفسيًا ليس مجتمعًا لا يحزن أفراده، بل مجتمع لا يتركهم وحدهم حين يحزنون. وقد تكون كلمة رحيمة، أو لحظة استماع صادق، أو مساعدة في الوقت المناسب، سببًا في إعادة الأمل إلى حياة إنسان.

الصحة النفسية ليست شأنًا يخص الفرد وحده، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.

 

Comments